أبي منصور الماتريدي
414
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ويكشف عن ذلك أيضا عند اعترافهم بأن لا علم لهم إلا ما علمهم الله أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . الآية [ البقرة : 33 ] ، ولو لم يكن منهم ما استحقوا به التأديب والتنبيه عن غفلة سبقت منهم ، لم يكن لذلك كثير معنى ؛ إذ لا يخفى على الله عزّ وجل علم ما ذكر من الكفرة الأشقياء ، فضلا عن الكرام البررة . ولكن قد يعاتب الأخيار عند الهفوة ، والزلة بما يحل من خوف التنبيه والتوبيخ : نحو قوله : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [ آل عمران : 131 ] . وقوله لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم : إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ . . . الآية [ الإسراء : 75 ] . ولملائكته : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ [ الأنبياء : 29 ] . واستجازوا إمكان العصيان عند المحنة . ودليل المحنة ما بينا من الفعل بالأمن والخوف المذكورين ، وما مدحوا بعبادتهم لله تعالى ، وما أوعدوا لو ادّعوا الألوهية ؛ ولما لم يحتمل أن يحمدوا على العبادة والطاعة فيما كان فعلهم على الخير والشر ، ولا تعظم المحنة فيما لا يمكن المعصية ، ولا تحتملها البنية ؛ إذ الطاعة هي في اتقاء المعصية . وقال أيضا : لا يَعْصُونَ اللَّهَ [ التحريم : 6 ] ، ولا يقال مثله لمن لا يحتمل فعل المعصية . فثبت أن المعاصي منهم ممكنة ؛ ولذلك خطر طاعاتهم ، وعظم قدر عباداتهم ، والممتحن مخوف منه الزّلة والهفوة ، بل المعصية ، وكل بلاء إلا أن يعصمه الله تعالى ويحفظه ، وذلك من الله إفضال وإحسان لا يستحقّ قبله ، ولا يلزمه أحد من خلقه . فجائز الابتلاء به مع ما في زلة أمثالهم من ترك الرجاء بالخلق ، وقطع الإياس ، والحث على الفراغ إلى الله تعالى بالعصمة والمعونة ؛ إذ لم يقم لطاعته أحد وإن جل قدره عندما وكل إلى نفسه مما يعلم الله أنه يختار في شئ الخلاف ، لا أنه يفزع إليه وينزع « 1 » إليه . وعلى ذلك معنى زلات الرسل عليهم الصلاة والسلام . وزعم قوم أن ذلك ليس منهم بالزّلة ، بل الله تعالى عصمهم عنها ، ولكن قوله : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها يخرج على وجهين : أحدهما : على السؤال بعد أن أعلمهم الله أنهم يفعلون ؛ فقالوا : كيف يفعلون ذلك ، وقد خلقتهم ورزقتهم وأكرمتهم بأنواع النعم ، ونحن إذ خلقتنا نسبّحك بذلك ، ونقدس
--> ( 1 ) في أ : ويتضرع .